مصطفى لبيب عبد الغني

188

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

لا يمكن إذن أن نتصور الفيلسوف العقلانى أو العالم الحقيقي سائرا على درب الإلحاد أو منكرا للألوهية وكمالها المطلق ؛ فالطعن في الألوهية طعن في القيمة الحقيقية للمطلق وللنزوع الفلسفي وجدوى التوجه إليه . وإذا كان الفكر قد يفضى في خطواته الأولى إلى نزعة ارتيابية فليس هناك أكثر زيفا من الزعم بأن التفكير العقلي بطبيعته يؤدى بنا إلى الشك في أصول الدين ؛ وآية ذلك أنّ تطور معنى الإلحاد يكون موازيا لفكرة التعصب وانغلاق العقل فكلما زادت حدة التعصب كلما ساد التلويح بتهمة الإلحاد في وجه أحرار الفكر ، ولعل المشكلة الرئيسية و « المفارقة » المقلقة للعقلانية الصافية هي مشكلة القضاء على التعصب « 1 » . * * * والرازي - الفيلسوف العقلانى الكبير والعالم الطبيعي الفذ - لا يخرج على مقتضيات الإيمان الصريح ، بل إننا واجدون لديه نزعة إيمانية عميقة ، يشهد عليها ما بقي من مؤلفاته . والألوهية عند الرازي ليست من نمط الألوهية السالبة التي نجدها عند بعض المفكرين المتشككين في قدرات العقل البشرى على الفهم والاتصال ، ولكنها الألوهية الإيجابية ، إن صحّ التعبير ، والتي نحسّ معها بتجلياتها في الأنفس وفي الآفاق . وبوسعنا أن نقرر أن الرازي كان يسعى في ميتافيزيقاه إلى تحقيق الانسجام الكامل بين نظرتى « العلو » و « المحايثة » في فهم الألوهية . وخلافا لزعم الزاعمين يعترف الرازي بوجود الله الالق البارئ أصل كل وجود العليم الخبير الواهب الرحيم بخلقه المستوجب للحمد بلا نهاية كما هو أهله ومستحقه له الأسماء الحسنى . والرازي يتوجه إلى معبوده بالحب والتمجيد ويستلهمه العون والتسديد والإرشاد والتوفيق لصواب القول والعمل « 2 » ، ويرجو

--> ( 1 ) Granger , G . G . la raison ' ' , p . 108 . ( 2 ) يظهر ذلك - على سبيل المثال - جلّيا فيما يثبته الرازي في كتبه التالية : - - « من لا يحضره الطبيب » ص 4 ، ص 105 . - « برء الساعة » ص 11 . - « الطب الروحاني » ص 38 ، 101 - 103 - 108 . -